لماذا ندمت بعض الشركات المصرية على التوسع المبكر في السوق السعودي؟
تراجعت وتيرة توسع الشركات الناشئة المصرية في السوق السعودية بعد موجة من الاندفاع نحو المملكة خلال عامي 2022 و2023، عندما دفعت الضغوط الاقتصادية في مصر وانخفاض قيمة العملة عددًا من المؤسسين إلى البحث عن مصادر إيرادات وأسواق جديدة.
وقالت دينا الشنوفي، الشريكة المؤسسة والمديرة العامة لشركة F6 Ventures، إن بعض الشركات المصرية دخلت السوق السعودية في وقت مبكر، قبل أن تمنح عملياتها المحلية الوقت الكافي للاستقرار، وهو ما أدى في حالات إلى استنزاف جزء كبير من رؤوس أموالها.
ويرجع هذا التراجع إلى أن العديد من الشركات دخلت السوق السعودي في مرحلة مبكرة جداً من عمرها، مما أدى إلى استنزاف سريع لرؤوس أموالها – وهو ما يُعرف في عالم ريادة الأعمال بـ "حرق الأموال" (Cash Burn). ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى استهانة المؤسسين بالفروقات الجوهرية بين السوقين المصري والسعودي، سواء من حيث سلوك المستهلك، أو تكلفة الاستحواذ على العملاء، أو طبيعة المنافسة.
ما الذي دفع الشركات للتوسع المبكر رغم المخاطر؟
بلغ هذا التوجه ذروته خلال عامي 2022 و2023؛ حيث دفعت حالة عدم اليقين الاقتصادي وانخفاض قيمة العملة في مصر العديد من المؤسسين للبحث عن أسواق أكثر استقراراً.
ولم يكن القرار نابعاً من المؤسسين فقط، بل لعب المستثمرون دوراً رئيسياً في هذا الاندفاع. فقد شجع العديد من صناديق الاستثمار – خاصة التي تضم مستثمرين سعوديين أو خليجيين – الشركات التي يمولونها على سرعة دخول السوق السعودي لتعويض تراجع الإيرادات المحلية، دون إدراك كافٍ لتكلفة هذا التوسع المتسرع.
اختلاف الأسواق و ثقافة و سلوك المستهلك يرفع تكلفة التوسع
تواجه الشركات الناشئة المصرية التي تتوسع إلى السوق السعودية تحديات لا تتعلق بالمنتج أو التمويل فقط، بل تمتد إلى طريقة فهم الجمهور المحلي والتواصل معه. ووفقًا لتقرير حديث تناول تجارب عدد من الشركات المصرية في السوق السعودية، فإن نقل الاستراتيجية التسويقية نفسها من مصر إلى المملكة دون تعديلات محلية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة عن تلك التي حققتها الشركة في سوقها الأصلي.
ويبرز اختلاف سلوك المستهلك والثقافة المحلية وطريقة استهداف العملاء، إلى جانب لغة الرسائل التسويقية، كعوامل يمكن أن تؤثر في أداء الحملات. ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع توجه المزيد من الشركات الناشئة المصرية إلى السوق السعودية، التي تشهد نشاطًا متزايدًا في التجارة الرقمية والخدمات التقنية والمشروعات الناشئة.
الاستقرار المحلي أولاً.. متى يكون التوسع الإقليمي خطوة صحيحة؟
تؤكد الشنوفي أن العديد من المؤسسين ندموا بشدة على هذه الخطوة، قائلة: "لقد ذهب الكثير منهم وأحرقوا أموالاً طائلة، ليكتشفوا في النهاية أن الأسواق مختلفة تماماً".
وتقدم هذه التجارب القاسية درساً حيوياً للشركات الناشئة التي تخطط لدخول أسواق جديدة. فالقاعدة الذهبية الآن تؤكد أن الشركات الناشئة المصرية لا يمكنها تحقيق فرص نمو ناجحة ومستدامة في السعودية أو أي سوق خليجي، إلا إذا حققت شرطين أساسيين: الأول هو استقرار عملياتها التشغيلية في سوقها المحلي (مصر) أولاً، والثاني هو منح نفسها الوقت الكافي والميزانية المناسبة لدراسة وفهم طبيعة السوق الجديد قبل اتخاذ قرار التوسع الفعلي.
كيف تبني الشركات خطة توسع مستدامة قبل ضخ استثمارات ضخمة؟
تؤكد التجربة التي سلطت "الشنوفي" الضوء عليها أن التوسع الإقليمي (Regional Expansion) لا يجب أن يعتمد حصرياً على إغراء "الفرص السوقية" الكبيرة. بل يتطلب الأمر امتلاك الشركة لـ "جاهزية تشغيلية ومالية" (Operational and Financial Readiness) حقيقية، إلى جانب القدرة على تخصيص الوقت والموارد الكافية لدراسة السوق الجديد بدقة.
وبالنسبة للشركات الناشئة المصرية، تُترجم هذه الدروس إلى خطوات عملية واضحة؛ إذ يجب على أي شركة تسعى لدخول السوق السعودي أن تبدأ أولاً بترسيخ عملياتها المحلية في مصر وضمان استقرارها. تليها مرحلة "اختبار الطلب" (Demand Testing) على منتجاتها أو خدماتها في السوق الجديد، مع الفهم العميق لسلوك العملاء وطبيعة المنافسين. وتُعد هذه الخطوات التمهيدية شرطاً إلزامياً قبل المخاطرة بالالتزام الرأسمالي وضخ استثمارات ضخمة في عملية التوسع.
في النهاية، يضع هذا التقرير قاعدة ذهبية أمام رواد الأعمال وشركات التسويق والدعاية: النجاح في الأسواق الكبرى لا يُشترى بـ "حرق الأموال"، بل يُبنى على التخطيط المتأني، وتوطين الرسالة التسويقية، واحترام خصوصية وعقلية المستهلك في كل سوق. فالتوسع الإقليمي الحقيقي والمستدام يبدأ من فهم العميل المحلي وتلبية احتياجاته الفعلية، وليس مجرد تقديم خدمات او منتجات و التوسع في سوق مختلف كليا عن السوق المحلي.
كاتب المقال